ارى ما اريد من البحر

ارى ما أريد من الحقل... إني أرى
جدائل قمح تمشطها الريح، أغمض عيني:
هذا السراب يؤدي إلى النهوند
وهذا السكون يؤدي إلى اللازورد
2
أرى ما أريد من البحر... إني أرى
هبوب النوارس عند الغروب فأغمض عيني:
هذا الضياع يؤدي إلى أندلس
وهذا الشراع صلاة الحمام علي...
3
أرى ما أريد من الليل... إني أرى
نهايات هذا الممر الطويل على باب إحدى المدن
سأرمي مفكرتي في مقاهي الرصيف، سأجلس هذا الغياب
على مقعد فوق إحدى السفن.
4
أرى ما أريد من الروح: وجه الحجر
وقد حكه البرق، خضراء يا أرض... خضراء يا أرض روحي
أما كنت طفلا على حافة البئر يلعب؟
ما زلت ألعب.... هذا المدى ساحتي، والحجارة ريحي
5
أرى ما أريد من السلم... إني أرى
غزالا وعشبا، وجدول ماء... فأغمض عيني:
هذا الغزال ينام على ساعدي
وصياده نائم، قرب أولاده في مكان قصي
6
أرى ما أريد من الحرب... إني أرى
سواعد أجدادنا تعصر النبع في حجر أخضرا
وآباءنا يرثون المياه ولا يورثون، فأغمض عيني:
إن البلاد التي بين كفي من صنع كفي
7
أرى ما أريد من السجن: أيام زهره
مضت من هنا كي تدل غريبين في
على مقعد في الحديثة، أغمض عيني:
ما أوسع الأرض! ما أجمل الأرض من ثقب إبره
8
أرى ما أريد من البرق.. إني أرى
حقولا تفتت أغلالها بالنباتات، مرحى!
لأغنية اللوز بيضاء تهبط فوق دخان القرى
حماما... حماما نقاسمه قوت أطفالنا
9
أرى ما أريد من الحب ... إني أرى
خيولا ترقص سهلا، وخمسين غيتاره تتنهد
وسربا من النحل يمتص توت البراري، فأغمض عيني
حتى أرى ظلنا خلف هذا المكان المشرد.
10
أرى ما أريد من الموت: إني أحب، وينشق صدري
ويقفز مه الحصان الإروسي أبيض يركض فوق السحاب
يطير على غيمة لا نهائية ويدور مع الأزرق الأبدي...
فلا توقفوني من الموت، لا ترجعوني إلى نجمة من تراب
11
أرى ما أريد من الدم: إني رأيت القتيل
يخاطب قاتلة مذ أضاءت رصاصته قلبه: أنت لا تستطيع
من الآن أن تتذكر غيري. قتلتك سهوا، ولن تستطيع
من الآن أن تتذكر غيري... وأن تحمل ورد الربيع
12
أرى ما أريد من المسرح العبثي: الوحوش
قضاة المحاكم، قبعة الإمبراطور، أقنعة العصر،
لون السماء القديمة، راقصة القصر ، فوضى الجيوش
فأنسى الجميع، ولا أتذكر إلا الضحية خلف الستار....
13
أرى ما أريد من الشعر: كنا قديما إذا استشهد الشعراء
نشيعهم بالرياحين ثم نعود إلى شعرهم سالمين...
ولكننا في زمان المجلات والسينما والطنين نهيل التراب على شعرهم ضاحكين....
وحين نعود نراهم على بابنا واقفين...
14
أرى ما أريد من الفجر في الفجر... إني أرى
شعوبا تفتش عن خبزها بين خبز الشعوب
هو الخبز، ينسلنا من حرير النعاس، ومن قطن أحلامنا
أمن حبة القمح يبزغ فجر الحياة... وفجر الحروب؟
15
أرى ما أريد من الناس: رغبتهم في الحنين
إلى أي شيء. تباطؤهم في الذهاب إلى شغلهم
وسرعتهم في الرجوع إلى أهلهم....
وحاجتهم للتحية عند الصباح....
*محمود درويش
لعنة النهايات

التأرجح على تباريح الاحتضار ..اعراض النهايات الممزوجة بتوهج مقبض .. غصة الحلق بدموع مختنقة ..الشريط الداكن لذكريات تجتر بعضها بعضا ..ليالى باردة وحزينة .. الحياة على حافة التذكر بين اشراقة الجسد مع اللمسات الاولى بعد شتاء طويل وبين التفتت تحت جفاف الملل ..لقطات قصيرة قصيرة ..اختفت خلف الصور المتكررة للالم والخلاص ..النزاع ما بين الحياة والموت ..والموت والحياة ..اسئلة تجرح النفس وتمنح للاحتضار اصوات كئيبة . لا زلت احيا هل هذا يكفى ؟. ولا زلت احتفظ على حائط روحى بمسيح مصلوب نتبادل دوما الاماكن واحتفظ معه بكتاب صلوات قديم عله يمنحنى الخلاص ..الهى الصغير لاتدخلتى فى تجربة لكن نجنى من الشرير ....ابتهل ان تمنحنى عزاء الغرباء وستر المقهورين .!
اتردى ما بين صدى آلام قديمة وصراخ اللحظة.. ينفجر شعاع القهر بداخلى فيشطر القلب الواقف على محطات الوحدة والخوف والاكتئاب.. هكذا هى دائما ليالى الخريف تلبس قناع الرعب وتحمل لى الهدايا الحزينة ..اختبىء لا اريد هدايا هذا العام اقرأ كل التعاويذ الممكنة لاطرد لعنة سحر قديم ولدت معى فى احدى ليالى الخريف المقبضة. اتذكر ليالى الصمت المدوى وانسياب الحزن والعن الحظ واهرب داخل قنينة نبيذ تمنحنى دفئا عائم فى اللون القانى .
لم اعد اريد شيئا ... ولتذهب ذاكرتى الحبلى دائما الى العدم . اما ذلك الجهاز الاليكترونى اللعين ..البوابة التى ادخلتنى فى التجربة..اقول شكرا على العموم !!
أساطير إمرأة معتوهة

كنت اجلس على الشاطىء أداعب المياه التقط براحة يداى اللؤلؤ والماس من على سطح البحر اقذف بهم لأعلى فى سعادة، أغوص إلى الأعماق ،العب مع الأسماك فى مرح ،تلتف السمكات الصغيرات حول رأسى فى هالة ملونة يهدين لى مجموعة جديدة من أساطير البحر,أعبئها داخل أقفاص الذاكرة ، اصعد لأرى الشموس وهى تدفئ البحر ،فى طقس احتفالى صاخب، أشارك فيه بدور "المسترخى"، تتقافز حولى الألوان ، وتختلط بنغمات لأصوات بديعة ،فتذوب الفروقات مابين ترنيمة اللون وجمال الأصوات .
يمر على الرب وأنا على هذا الحال
الرب : هاى لؤلؤة
لؤلؤ : هاى
الرب : مبسوطة عندنا فى الجنة
لؤلؤ: او..!! واو... الحياة جميلة
اعتدلت لأكمل حوارى مع الرب حول مفهوم الجمال، وفى تلك اللحظة رأيت ما لم أره من قبل .
كان هناك طابورا من مختلف المخلوقات اختبأ خلف الرب ،كانوا جميعا فى حالة بكاء، لم اصدق عيناى حملقت ، لأول مرة أرى ملامح خوف ودموع .
فى تلك اللحظة خلق الرب كلمات بكاء، هلع رعب ، حزن ...الخ .
سألت الرب : مين دول وبيعيطوا ليه
الرب : لا ما فيش .. دة لوت مشكل بشر على حيوانات وكدة يعنى ..خلقته غلط ورايح أعدمه
لؤلؤ : اوه.. لا ...حرام ما تعملش كدة
الرب : ما ينفعش دول هايبوظوا الحياة وها يعملوا حاجات مش جميلة ، أنا هاعدمهم وانتى تنسى انك شوفتيهم خالص ياللا روحى العبى .
لؤلؤ : لا مش هاقدر مش هاقدر ......
وأثناء تأملى لهؤلاء الغرباء وجدت بينهم رجل ..قدت ملامح وجهه من خلطة بمقادير مضبوطة من الطيبة والبراءة والجمال .اتجهت إليه لامست بشرته تأملته باندهاش ثم استدرت لأواجه الرب .
لؤلؤ : من فضلك ادينى دة
الرب : لا ما ينفعش
لؤلؤ: باكية لا ماليش دعوة أنا عايزة أخد دة ليا العب بيه
الرب : يا حبيبتى ما ينفعش دى ناس مؤذية ولو اخدتيه هايتعبك دة هو اللى ها يطلع دينك
لؤلؤ : لا ما ليش دعوة أنا عايزة اخده
وقف الرب حائرا ما بين بكائى وما بين خوفه على من المخلوقات المعيوبة
الرب : بس لو اخدتيه واذاكى أنا مش هاقدر أعملك حاجة ،دة غير إن دة بالذات اى حد بيتعرض لأذاه بتحل عليه لعنة ما فيش منها شفا
كنت قد حزمت أمرى
لؤلؤ :برضه هاخده أنا عايزاه اديهونى
منحنى الرب الرجل على مضض، ومضى....
سعدت بلعبتى الجديدة "الرجل" أصبحت أقضى معظم وقتى معها اخلع أذنيها وأعيد تركيبهما ، أفك الأذرع والأرجل ثم اجمعهم ثانية اقذف برأسها ليذهب يحضرها لى فأثبتها من جديد، لم تكن لعبتى تحب الطبيعة فتركت البحر وابتعدت عن صديقاتى الأسماك مبهورة بالمخلوق الجديد ،وفى إحدى لحظات سكرنا ألبسته طيلسان ووضعت فى يده الصولجان ومنحته دور الملك فى إحدى مسرحياتى العبثية ،وفى غفلة منى ارتجل نصا لا ولن ولم أدونه مطلقا، لملك شرير دهس منازل لعبى الجميلة ،بصق على اوراقى الملونة، وعندما جريت لأنقذ صدفتى المفضلة ، طعننى فى ظهرى، جريت ، طاردنى ،جذبنى من شعرى ، سرق أقفاص الذاكرة ورحل .
عدت إلى البحر ، حاولت تذكر حياتى الأولى مع الأسماك ، احضر طقوس التدفئة ولا الحظ الشموس ، أحاول استرجاع ما تيسر من أساطير البحر فلا أستطيع ، الآن أدرك انى أصبت اللعنة ،لم اعد اذكر ماهو الضحك ،المرح، السعادة،أصبحت اعتقد أن تلك المفردات هى فى عالم آخر ... .
صنعت لى حكيمة الأسماك رقيا ، نظرت فى صدفتها البلورية ، اخبرتنى عن دواء شافى يوجد فى بحر قريب أسمته نبات النسيان ،أرسلت فى طلبه ، حكت لى عن ماهية الكون وكيف أن الكون يتمدد ويتسع ويشع منه نور خاطف كلما تآلفت المخلوقات ،وأن الحزن إذا ما تسرب من ثقب ما إلى الكون يصيبه فى مقتل ويتلاشى تحت أصوات القتال .منحنى الحديث معها إحساسا عميقا بالأمان ، منحتنى دواء النسيان فنمت..........................
استيقظت لاجدك بجانبى تمنحنى اساطيرا جديدة لها طعم الكون المشع .

الصراع هو الخالق الأوحد للحياة
(1)
فى مساء ليلة شتوية باردة من ليالى شهر يناير، القادم متثاقلا بعد مرور أكثر من سنة ونصف على الهزيمة ، تضاجعا ..
فى محاولة يائسة منهما لطرد الإحساس بالغربة والهزيمة والبرد والملل ,بعد أن رمت بهما الحرب والأقدار إلى تلك القرية النائية من قرى الدلتا . تدفقت منهما كل الافرازات الإنسانية الممكنة.. دخلا بسهولة ويسر إلى غيبوبة النوم العميق ، فى تلك اللحظة بالذات ومن تلك الافرازات تكونت أنا مثل جميع البشر,واختبأت كقرادة لزجة ترفض العدم فى ركن مظلم من الرحم البارد .
بدأ الصراع بعد اكتشاف امى لوجودى بداخلها ، احتست زجاجة كاملة من الكونياك ،امتصصتها حتى الثمالة, حملت أشياءا ثقيلة ،طافت مهرولة بجميع أنحاء القرية متجاهلة أعين الفلاحين المتلصصة بالمهاجرين القادمين من المدن المنكوبة ،بذلت كل الجهد المطلوب من اجل التخلص من حمل غير مرغوب فيه.
سبقنى إلى الوجود ثلاثة أخوة ، بنتان وولد وهى لا تريد أطفالا آخرين ، تكفى مرارة الغربة داخل تلك القرية المتخلفة ،بعد حياة حافلة فى مدينة كانت تشبه قرية إنجليزية تجلس على البحر تنتظر قادم لا يأتى إلا حاملا السلاح ليقتل ويدمر المدينة الهادئة .
مدينة من طرح البحر وعشقها الابدى هو البحر ،يمر بها قناة امتلأت بدماء ودموع من حفروها واختلط بهما ماء البحرين لتغسل دوما آثار الجريمة.
على هذه الضفاف كانت امى تسابق بدراجتها صديقاتها,وتقابل أبى سرا بعيدا عن أعين العائلة ,منحها اختلاط الجريج والأرمن والفرنساوية بأهالى المدينة طعما وروحا مميزة ,كانت مدينة ذات أفق رحب كغيرها من المدن الساحلية تحتضن الغرباء ، وتوفر لهم الدفء والمأوى ، ثم تجلس لتنتظر مصيرها الدموى على ايدى جنود الاحتلال .
لم يستسلم أبى وأمى بسهولة للصراع الدائر ،فعلى الرغم من القتل والتدمير والمعاناة والخوف على أطفالهم ,كان الأمل دائما يلوح برايته البيضاء ,فلا احد يحب أن يجبر على ترك بيته والأرض التى احتضنت براءة طفولته ، ومؤامراته الصغيرة ,وكتل حية من عمره ,إلى المجهول
ظلا يقاومان حتى اواخر67 .
احتملا مرارات الحصار وانقطاع المياه بالأيام وانفجار الدانات المقترن بفزع وبصراخ الأطفال،ووسقوط السابلة وسط برك الدماء ,وانهيار البيوت –لذلك كانت أغنية يا بيوت السويس يا بيوت مدنتى استشهد تحتك وتعيشى انتى لها تأثير مزلزل كالدانات على نفوس السوايسة فينفجرون فى نحيب متصل عند سماعها – وبعد إصابة منزلنا فى مقتل أصبح من المتعذر البقاء وخاصة مع وجود طفلتين كبراهما فى منتصف عامها الثانى .
فى النهاية استسلما كباقى اهالى المدينة وهاجرا على أمل عودة قريبة ونهاية الحرب .
دشن ابواى استقرارهما فى القرية بإنجاب أخى والذى أصر أبى أن يستخرج شهادة ميلاد له من المدينة المهجورة حتى لا يكون له ابن "فلاح"- عذرا فقد كانا فى بداية حياتهما الجديدة بالقرية شديدى الاحتكار للفلاحين- فسافر تحت دوى المدافع غير مبال بالأخطار من اجل إنجاز مهمته الثورية. وبالفعل أصبح أخى الذى ولد بإحدى قرى الدلتا حاملا لجنسية السويس مدينة الصمود .
بعد إنجاب أخى ببضعة اشهر وبعد اقل من شهر من تلك الليلة اللعينة استيقظ الصراع من غفوته ،صراعى ضد العدم وصراعها معى لالقائى فى ظلمة العدم, وللأسف هزمت امى مرة أخرى هزيمة نكراء .
لم ينته الصراع بانفصالى عن جسدها ،فكل ما حدث هو تغيير مكان جبهة القتال من بطنها المنتفخ الذى لفظنى، إلى الهواء الطلق الملوث بعادات وتقاليد صارمة وأفكار خانقة .
ولان الصراع أصبح مزمنا .. فآلامه تنشع من وقت لأخر على جدران الروح فيحكم الاكتئاب خناقه وابدأ فى تحسس آثاره من ندوب بارزة وغائرة ,وأحاول مداواة الجروح التى لا تندمل بالحبوب المضادة للاكتئاب .
الآن تصارع هى إحساس الهزيمة المتجددة بداخلها وهى تنظر لى شذرا ,
وأصارع أنا لإيقاف خط إلانتاج النشط للإحساس بالاغتراب والوحدة والحزن .